هذه قصة سروال عبد المؤمن باهاذل، إذ في واحدة من ليالي الخريف المملة، بعد قيلولة استعاد بها بعض العافية من يوم عمل منهك، قصد النادي الرياضي. كان قد انقطع عن التمارين لسبعة شهور، باخت فيها أنسجته العضلية وتخشبت مفاصله.
بعد انتهائه من تمارين رفع الأثقال، التي أداها بأقل طاقة ممكنة، وبحركات جسدية باهتة وكأن عضلاته تتثاءب، قرر عبد المؤمن فجأة وبدون سابق تخطيط الدخول إلى صالة الساونا.
لم يكن ذلك جزءا من جدوله الرياضي، فهو من شدة الكسل الذي جبل عليه، قد يتنازل عن آخر جولة أو جولتين من التدريب ليُبكّر بالانصراف. في تلك الليلة، تذكر مقطع فيديو قصير مر به في تيك توك، يتحدث فيه المدرب الرياضي عن فوائد الساونا، فارتد في آخر لحظة عائدا من بوابة النادي الزجاجية ليدخل الساونا.
حيّاه الجو اللافح بداخل القاعة الخشبية وقد لمح وسط الضباب البخاري رجلين ذوي جسمين مترهّلين، كانا من أولئك الذين يرتادون الأندية الرياضية تلافيا لتأنيب الضمير، بعد ما دفعوا مبلغ الاشتراك. ألقى عليهما السلام بصوت بالكاد يُسمع فلم ترتدّ إليه عبر الضباب التحايا، كان متحرجا نوعا ما من وجوده بينهما بسرواله الداخلي. ولسوء الحظ كانت قاعة الساونا الخشبية صغيرة المساحة، مربعة تقريبا، كصندوق بناه مربّي طيور، ما اضطره إلى الجلوس أمامهما، تفصله عنهما مسافة متر واحد. وقد كانت مسافة كافية لرؤية التثدّي البادي في صدريهما، وزغب الشعر المحيط بالحلمات، وكانت أيضا مسافة كافية ليجد عينيه بلا إرادة منه تتنقّل بين كرشي الرجلين، وقد اندلقا على المقعد مثل كيس مائي. فكر لوهلة وبصره يلتقط دبلة الزواج الفضية على إصبع أحدهما كيف بوسع هذا الرجل أن يراه. كانت كلها تهاويم تافهة أخذت تتماوج في رأسه من دوخة ألمّت به بسبب الحرارة وبسبب اختناقه من البخار الكثيف، وأيضا من شدة تقاربهم في المكان، والذي جعل صرف عينيه عنهما مستحيلة، بل كان أقرب إلى أن يكون فعلا قهريا يفشل في إخماد صوته الملح برأسه.
ووقت استحكم الدوار برأسه شعر بأنه إذا لم يغادر في الحال فسوف يغمى عليه. نهض متكئا على الجدار الخشبي القريب وترنّح فأسنده أحدهما قائلا:
-هل أنت بخير؟
أومأ بالإيجاب وولاه ظهره وكانت أصابع الرجل قد بدأت تفلت معصمه لولا أنها شدت عليه فجأة.
-تعال .. تعال..
التفت بوهن وهو يكاد ينكتم من الاختناق. أراد بشدة أن يتلقاه الهواء البارد خارج الحجرة.
-ما هذا؟؟
ومد الرجل يده إلى سروال عبد المؤمن.. طافت في رأسه آنئذ كل الشائعات السيئة التي سمع عن حدوثها بين لاعبي كمال الأجسام. ولكنه قال لنفسه: “ولكنهما ذوا كرش ودهون”. مع ذلك، خاف من هذا الوجه الباسم بدهاء والعينين الماكرتين اللتين أسدت نظرة متواطئة إلى الرجل الثاني، وخاف من كل هذه الدهون، من كل هذه اللزوجة. سحب جسده بلطف ينحّي مؤخرته جانبا يحميها من هجمة محتملة للوغد، وما زالت أصابع الوغد تضغط على معصمه، مصرا على أن لا يطلق سراحه. كان يريد الإمساك بسرواله بأي طريقة كانت. وكان البخار كثيفا، والنادي هادئا، والأضواء خافتة، وكل شيء متيسر لأن يكون فريسة لفرس النهر هذا.
-ما هو نوع سروالك؟!
اللعنة.. اللعنة على الوجه الصفيق.. أيحسبه غِرا يُستدرج بالأحابيل الكلامية؟؟؟ قال الرجل ضاغطا على معصمه ينبه صاحبه:
-انظر..
وقف الثاني فأطبقت عليه الدهون من كل جانب. فقال عبد المؤمن وقشعريرة الخوف تستوطن ظهره، والعر ق البخاري يتصبب على جفنيه وكأنه تحت مطر غزير:
-ماذا تريدان مني؟!
فقال الثاني وهو يلصق ذراعه المتعرقة بظهره ورائحة زنخه من التدريب تحوّط به مثل هالة شيطانية:
-أرنا سروالك..
كان الأول لم يزل يعتصر معصمه، وكان الثاني قد قبض على يده الثانية، مصرا على فحص السروال، أو المؤخرة… سيان.. وها هي طيّة السروال يُسيطَرُ عليها، وها هي تُسحب إلى أعلى، فيشعر بتمطط القماش القطني على فخذيه وخصيتيه.. ثم تُركت طية السروال فجأة، في شيء من الحنق.
حانت منه نظرة منكسرة إلى الواقف وراءه ، كان يستشعر شرخا أبديا في رجولته بينما كانت نظرات الرجل على العكس تشي بخيبة أمل كبيرة، وكأنه تفقد خروفا في السوق ولم يعجبه فقرر إطلاق سبيله. سأل الأول صاحبه:
-ما بك؟
-سرواله ليس محليا..
-ماذا!!
أطلق الأول معصمه أخيرا، تاركا على جلده دبقا عرقيا مقرفا.
-كيف يلبس سروالا ليس محليا! كيف!
وسارع بوجه واجم إلى تفقد السروال بنفسه، دون أن يلقى من عبد المؤمن أي مقاومة وكأنه اطمأن قليلا أنه لم يعد مرغوبا به.
-فعلا.. سرواله ليس محليا.. هيه.. أنت!.. كيف تلبس سروالا غير محلي؟ اجلس..
وجذبه بقسوة فأطاعه عائدا إلى مقعد الساونا، وقد زال ما به من دوار تماما. جلس كلاهما حذوه من الجانبين، ملصقين فخذيهما بفخذيه، كان انصهار عرقي مشترك مع تكثف البخار على جلودهم يجعله في حالة “سيولة” تامة.
-قل لنا، لماذا ترتدي هذا السروال؟
-أجل.. هل تدعم الأغيار؟
فقال مهادنا:
-محال أن أكون كذلك..
-ها! ما يدفعك إذن إلى لبس هذا السروال؟
-هل دفع لك أحد لتلبسه؟
فقال وهو يضمضم أطرافه في محاولة بائسة لعدم الالتصاق بهما:
-إنما هو سروال أراحني ولبسته..
فقال الأول وهو يطالعه بنظرة تحتية استقصائية:
– هل تقصد أن سراويلنا غير مريحة!
-بالعكس.. إنها مريحة جدا.. مريحة لدرجة أني أؤثر مؤخرات إخوتي على مؤخرتي فلا ألبسها..
فتساءل الثاني وعلى جبينه تقطيبة منذرة:
-وهل تقصد أننا لا نصنع ما يكفي من السراويل لنستر العورات؟
-حاشا لله.. مستورون بها ومن دونها..
وحاول النهوض فجأة يخاتلهما فما كان من كليهما إلا أن جذباه إلى القاع جذبة عنيفة، فهبد المقعد بمؤخرته، وبسرواله.
-نريد تعليلا واضحا.. لماذا تلبس سروالا غير محلي؟
وكاد يلعن السروال ويلعن من يلبسه علانية لولا أنه جبن، تأخذه الظنون بشأنهما كل مأخذ. ونهض الأول وجعل يجوب غرفة الساونا الخانقة، وثدياه يهتزان، والحلمتان لامعتان من السوائل. راح يتمتم:
-المسألة في غاية الخطورة..
وأكد الثاني:
-أجل لا تهاون مع من يستهين بسراويلنا..
فقال متوسلا:
– أقبل أقدامكم اصفحا عني.. وسأفعل أي شيء تريدانه..
فقال الأول:
-أنت عار على السراويل..
وقال الثاني مبكتا:
– إنه لا يستحق أن يكون مستور العورة..لقد عض اليد..
فقال مقبّلا يد الرجل الثاني الذي كان بجواره:
-وهل يلام الجاهل الحمار الأرعن ابن الكلبة؟!
-ماذا تقصد؟
فراح يضرب على صدره شاخصا:
-لا.. أنا.. أنا الحمار الجاهل ابن الكلبة.. ليس السروال..
فتبادل الرجلان نظرات عميقة ملأى بالكلام الكبير، وزمّ الأول شفتيه وهو يذرع الغرفة جيئة وذهابا على رغم صغر مساحتها.
-أعطياني الحل وأنا أنفذ ما تأمرانني به..
فرفع الأول كتفيه في تسليم وقال:
-ماذا نفعل.. ليس هناك إلا حل واحد..
فقال الثاني معززا:
-ليس إلاه.. لا شك في ذلك..
-أقبل أقدامكما أعطياني الحل..
فقال الأول:
-اخلع سروالك..
فأشار إلى الأرض بنظرة منكسرة:
– أخلعه الآن!!
-نعم.. الآن..
-أخلعه وماذا ألبس؟
-لا شيء.. تلبس عارك.. يا عديم السروال..
فهتف قائلا:
-أنا فداء سراويلكم.. استروني لعل الله يستركم..
فرمقه الأول بنظرة متفحصة وقال:
-ماذا تقصد؟
-ماذا أقصد.. لا أقصد شيئا.. ابن الكلب لا يقصد شيئا.. هه.. هه..
وقام بغتة وكأنما قد فقد صوابه، ثم راح ينزع سرواله وهو يتعثر في قدميه، وبدا كما خلقته أمه أمامهما، ولكنه قد صار يهرف بكلام مبهم، ويخبط رأسه بجدران غرفة الساونا الخشبية، ويردد:
-أنا فداء سراويلكم..
وخرج من القاعة ركضا لا يلوي على شيء، بينما قال الأول بعنفوان، وبصوت جهوري مسرحي:
– تحيا سراويلنا..
فهتف الثاني:
-يحيا السروال..