تدوينة
يفرح الناس عندنا بالشتاء لأسبابهم بينما أفرح لأسبابي. ولكن هذا أول شتاء لي منذ أعوام لا أكتب فيه -عدا هذه التدوينات-. في الشتاء تزهر رغبتي في الكتابة، وأبدأ فيه مشاريعي الروائية الجديدة، وأكون أكثر ما أكون نشاطا مقارنة بسائر فصول السنة. وحتى مزاجي يعتدل في الشتاء، ونفسيتي تطيب فيه، وهذه ملاحظات فحصت صلاحيتها على مدى أعوام حتى ترسخ لدي أنها حقيقية. ولكن هذا أول شتاء لي لا أكتب فيه، بل أول عام منذ 2019 لا أشعر بأي رغبة حارقة لإنجاز رواية. حتى عندما حاولت البدء في الفكرة التي لدي لم أستطع أن أمضي فيها إلى ما بعد الفصل الأول. هي ليست حالة قطيعة مع الكتابة، فأنا مازلت كلما تطهرت من الكتابة ردتني إليها مرغما، ولكنها فترة لمراجعة ماذا أريد من الكتابة، وكان من فائدة هذه المراجعة أني لم أعد أريد أن أكون حطبا لحفلات الجوائز ، ولا أريد أن أكتب مهتديا بثيمات الفوز ، لا أريد أن أكتب عن تخنيث الرجولة، ولا عن تأليه الأنوثة، ولا الكتابة الترندية، ولا الكتابة الكافكوية، ولا الكتابة المستوحاة من الترجمات، ولا شيطنة المهزومين اتساقا مع الموجة، ولا حتى الكتابة التاريخية (وقد كتبتها للأمانة).
أريد أن أكتب ما يهمني فعلا، ما أريده أن يكون منبئا عن أنني عشت، ما يمثل شيئا حقيقيا -وليس شرطا الحقيقة-، شيئا أشعر به، يشعرني بالغبنة، يجعلني أكتب وقفاي ملفوح بالغضب، وهي كتابة قد لا تناسب أحدا.. وقد تناسب كل أحد.. لا يهمّ.. المهم أني أنظر إليها -إذا أحياني الله- بعد عشرات الأعوام، وأقول، قلبي راض عنكِ.. أريد أن أسمع قائلا يقول وأنا أتكئ على عكازي، هناك شيء قاله هذا النص في وقته، لم يقله أحد.
