فنان كيف الذي فكر

تدوينة

الأدب وسيلة الفنان للحسحسة على المأزومين في اللحظة التاريخية المهببة التي يعاصرها هو وهم. كان بإمكاني كتابة عبارة مبتذلة مثل “الأدب وسيلة الفنان المثلى للتعبير عن المأزومين تاريخيا” لكن أحببت أن أتجنب الجمل المكرورة. عموما، ما من نص رهيب إلا وقد استطاع في آنه القبض على أزمة حقيقية. الأزمة التي أعنيها هي صراع وجودي يجد “المأزوم” فيه نفسه منبوذا وقد ركلته الأرجل بعيدا عن حراك عصره، هذا الأبله الذي قرر لسوء حظه أن يفكر، هو شخص يبدو كما لو أن زمانه ودّعه، فانسحب وانزوى في ركن قصي، ليراقب المنتصرين يسحقون كل شيء في طريقهم. والأدب الرهيب، هو الذي يطبطب على هذا المأزوم، يوشوشه في أذنه، بأنه لا عليك، هناك من يفهم ما تمر به، ويشاركك إياه، لهذا السبب، يفرح المأزوم فرحة المحروم من الخلفة، بولادة نص يشبهه.

من علامات الأدب الرهيب أنه يلتقط هذه الأزمات المدفوسة، ويقدمها بصنعة لطافة لكل ذَهِنٍ فطين، وهذا حقا هو الفنان الذي نتساءل “كيف فكر”. أما أكثر أنواع الأدب بؤسا هو الأدب الملبوس بجنّ الليبرالية، ليس لأن الليبرالية هي بحد ذاتها المشكلة، ولكن لأن الممسوس بها هو المشكلة، فالأدب لأنه “أدب”، ويتهيأ لهاوي الثقافة أنه للناس الذين هم أولاد ناس مهمّين، ولأن فيه حالة من الترفّع عن الغوغائيين والعوام، فإن الأديب قد يصبح أميل إلى الثورة على هؤلاء الذين لا يستحقون حبر قلمه. وهو ما يعني أن أي فكرة مضادة لهم، ستلقى منه قبولا لتمثيلها فقط ليثبت أن حذاءه فوق رؤوسهم المعفنة. فهو من المتحررين من القيود، فتتولد عندئذ على يده العمشاء لطخات من الأدب، تشبه مساخر الموضة القبيحة التي نتساءل كيف تُشترى! فتجد أن عددا كبيرا من الأدباء يهرون مواضيع بعينها في أدبهم تأكيدا على أنهم لا يشبهون الغوغاء، ولا تبتعد هذه المواضيع عن كل ما يخالف الفطرة. ولا تجد فيهم من فكر قبل أن يكتب.