لما كنت صغيرا، كان برد المدينة قارسا، أذكر جلوسي أمام المدفأة الملتهبة العيون في الصباح، أنا وإخوتي وكل منا يزاحم الآخر على حرارتها. وأذكر برودة الماء، وأذكر البالطو الأسود الذي يشبه بالطو المخبرين في الأفلام المصرية، كنت ألبسه وأنا طالع إلى المدرسة ينفح وجهي الهواء البارد. كانت درجة الحرارة تهبط إلى خمس درجات مئوية، بل أقل من ذلك. أذكر الوانيت الذي وقف أمام سيارة أبي عند شارع المدرسة المكتظ في أول يوم دراسي، والأب البدوي يهبط بعصا الخيزران من سيارته الوانيت، ليحمل ابنه من حوض السيارة ، ويزفه بالعصا من الشارع إلى بوابة المدرسة، انتقاما من خوفه الذي لا يليق به -بأبيه-.
في الليالي الشاتية، أذكر قدمي وهي تغطس في دفء سجادة الصالة الحمراء الثخينة، وأذكر مجلسنا العربي الأرضي، المزركش المساند برسوم متداخلة غريبة، وأذكر أبو فروة، والمدفأة، وأذكر اندساسي تحت فروة أبي أنا وإخوتي ونحن نتضاحك، ذلك الإحساس الذي شعرت به يومئذ، وأنا مندس تحت أبي -الذي كان عقلي يؤمن بأنه ضخم برغم أنه قصير في الواقع- لم أذق مثله البتة. في تلك اللحظة التي كان يزاحمني فيها إخوتي على الدفء والظلام -الذي يضيء فيه قلبي- بدا لي العالم كله هو تلك الخيمة التي عمادها أبي.
عندما هلّ شتاء العام الفائت، اشتريت فروة.. فصار أبنائي يتسابقون على الاختباء تحتي، وأنا أتعمد إخفاءهم تحتي، وأصنع من الفروة خيمة تخفينا معا عن الضوء المؤذي. لم أركز بأنني إنما كنت أقلد أبي. وهذا الشتاء لما أخرجت الفروة من الدولاب، تذكرت فروته، بحنين يشبه حنين الذين شاخوا فصار الشوق إلى العالم القديم يطش عليهم الذكريات، ويجعل الحاضر يبدو أكثر سأما مما قد يبدو. لقد صرت مثل أبي، لي فروة يستدفيء بها الصغار.
