شيل العدّة

أيام كانت لوحات المحال التجارية تُكتب باليد، كان لأبي دكان صغير بشارع قباء بالمدينة المنورة، يتفنّن فيه في كتابة اللوحات. كنت فخورا بخط أبي وما زلت كلما جاء طارئ سيرة الكتابة والخط، فأقول منفوخ الريش:

“أبي خطاط”.

في البيت كان أبي يستخدم قلم الريشة، وكان لديه قلم باركر مع دواة حبر، للأسف لا أذكر موديل القلم، ولكن أذكر أنه كان يتفنن به أيضا في كتابة الخطابات والأوراق الرسمية وأي شيء يسمح له أن يرينا خطه، وكنت فخورا بأن أبي “فنان”، فهو خطاط، ومتحدث لبق، ويتكلم إنجليزي، ويؤلف لكل واحد منا أنشودة خاصة به. لما جربت ذلك القلم أذكر أني دهشت من إحساس الكتابة المختلف، ولم أكن أعلم حينها لماذا يتفوق قلم الريشة على الأقلام العادية.

كبرت وأصابتني لذعة الكتابة، بدأت أكتب مستعملا أقلام الرصاص، ثم استخدمت الأقلام الجافة والسائلة، كان هذا في بدايات رحلتي مع الأدب وقتَ كتبت الخواطر والشعر الفصيح والأشعار الغنائية والمسرحيات والقصص القصيرة ثم المخطوطات الروائية التي لم أنشرها لأني رأيت أنها كانت خائسة. ثم تحولتُ مثل كثيرين إلى الكتابة “الديجيتال”.

استمرّيت لأعوام حتى أعادتني الصدفة إلى فكرة الكتابة بأقلام الريشة. الكتابة الديجيتال تُحسب لها مزيّة السرعة، ولكنها مرهقة، فأنا أكتب بعد ساعات الدوام التي أتعرض فيها للشاشة أيضا. وكان أبي وخطه وقلمه الباركر ودكانه وذكرياتي الأولى مع الكتابة تحضر بشكل عابر من وقت لآخر. فمن باب التغيير -ولعله ينبغي على الكاتب أن يجدد روح الكتابة بمثل هذه الأفعال- بحثت في عالم أقلام الريشة، ثم كان أن اشتريت قلمين معا، ألمانيا ويابانيا. أقلام الريشة مثل عدّة “المعلّمين”. لها مقاسات، وآليات، ومواصفات، مقاس الريشة مثلا ليس موحدا، فالريشة اليابانية النحيلة هي نحيلة بالفعل، لدقة اليابانيين، أما ريشة الأوروبي النحيلة فتميل إلى أن تكون أثخن، بل وهناك بعض الماركات الأوروبية التي تُعرف بمشاكل في التحكم في الجودة، فنفس المقاس لقلم ما قد يبدو مختلفا من قلم لآخر. واليابانيون لديهم كذلك الريشة النحيلة جدا، وهي تعطي خطا شديد الدقة. وطريقة تعبئة القلم ليست واحدة، فهناك نظام التعبئة بالمكبس “Piston”، والخراطيش الجاهزة “Cartridge”، والتعبئة الفراغية “Vacuum”، وقطعة المحول “Convertor”، عالم الأقلام عالم غني للكاتب، مثل عالم العدة لصاحب الصنعة.

عندما كتبت للمرة الأولى بقلم الريشة الياباني “بايلوت” فهمت لماذا أبطل أغلب كتاب العالم عادة الكتابة بالقلم. الكتابة بهذه الأقلام لها لذة عجيبة، فهي أكثر سلاسة وتتطلب ضغطا أقل على الورق، والأصابع تتلطخ بالحبر أثناء الكتابة وأثناء تعبئة الحبر، بقع الحبر على اليد تعطي شعورا بالإنجاز . تحس بأنك صنائعي ماهر أنهى يومه بعمل عظيم.

ومع أني لم أجد الموضوع سهلا بسبب إصابة قديمة في اليد اليمنى لم أعالجها -لكمت بابا حديديا في لحظة غضب- غير أني لم أستطع من ذلك الحين العودة إلى الكتابة الديجيتال، لا سيما وقد عملت على رواية طويلة. تلك الرعونة ما زالت تعاقبني بألم سريع في جانب اليد بعد إكمالي سطورا قليلة على الورق.

صرت مهووسا بعالم الأقلام، فأتابع جديدها وقديمها، وأحرص على تجميعها قدر الإمكان، بالذات بعد تجربة سقوط قلمي الياباني وتضرر ريشته، ما جعلني مقطوعا. الغريب أن ثقافة هذه الأقلام ليست رائجة لدينا، فبعد أن ارتطمت ريشة قلمي بالأرض لم أجد حولي أي “معلم ريشة” وهو الذي يصلح ريشة القلم المتضررة، وهذا “بزنس” لحاله يدرّ على صاحبه الدولارات. وهذه الأقلام تتطلب نوعا خاصا من الورق ، وهذا موضوع آخر قد أتكلم فيه يوما.

عموما لست ضد الكتابة الديجيتال، ولكني فنان يحب أن تكون له عدة، فالنحات له عدته والرسام والعازف، وكل صاحب فن، يعتني بأدواته عناية فائقة، ويخصص لها جزءا من اهتمامه وبحثه ووقته لاقتناء ما يساعده على أداء عمله. لذا صرت أشيل عدتي ولكن “ليس إلى جدة”، بل إلى مكتبي مبعدا عن وجهي الشاشات اللعينة، مع إحساس حقيقي بالإنجاز لا تمنحه بنفس الكثافة الكتابة على اللابتوب. والله المستعان.