“الفصل الأخير”
تحاشد الخلق على عروض داود، وانتشر صيته واستعجب الناس من مواهبه، واختلفوا اختلافا أثار جدالا لا ينتهي في المجالس والمقاهي والمراكيز، هل هو ساحرْ.. ساحرْ.. على طريقة سحرة فرعون، أم هو لاعب خفة وألاعيبه مجرد حيل خدّاعة! وصار يُسمى “عمّ الكل” لأن سحره لم يُر مثله قط. ولأن سطوته في الحارة صارت لا تُجارى. فبهلول يتحول أمامه إلى حمل وديع، ينصت إليه باحترام، ويخفض رأسه وصوته أمامه، وهو ما عزز فكرة أنه ساحرْ.. ساحرْ..
وفي اليوم السنوي الذي صار أهل الحارة يحتفلون فيه بآدم الرمادي في أجواء كرنفالية، إذ يلتفون حوله تحت الشجرة ويغنون ويرقصون بتحرر من القيود على طريقة القبائل البدائية، وإذ تُنزَع القمصان، وتُرمى السراويل، وتُهز الأوساط ، وتُرج الأرداف، ويُغنى:
الزين يا زين يا مزيون … الحلو جابو له موزة
والموزة في مكانها الموزون … لا هِي برّه ولا هِي مغموسة
في وسط ذلك الجنون، الذي حضره مُدان منتبذا مكانا بعيدا عن العيون، وقد شف جلده ونقص ما يقارب الخمسة كيلوجرامات من الهم والغم، رأى بعينيه الفاترتين “عم الكل” يرتقي ظهر سيد الناس، وهذا الأخير تاركه بلا مقاومة، بل يتبدى على وجهه البشر، وهو يسمح له أن يعتلي منكبيه ويعقد ساقيه حول رقبته. فتذكر الرؤيا. وتصايح الناس احتفالا بهذا الطقس، إذ ركب حبيبهم الجديد ظهر حبيبهم القديم، فحصل التمازج والاتحاد المرجوين بين القوة الأصيلة، والقوة المستجلبة، في مشهد من مشاهد القوة الكونية. ارتدّ مُدان على أعقابه والحشود لم تزل تتوافد على الشجرة، منشدة:
أبانا الذي تحت الشجرة .. واحد اثنان تسعة عشرة
واستمر مَدّان يمشي ضد التيار البشري العارم، موقنا أنه لا حل لهذا الجنون، وأن الخلاص الفردي ليس رفاهية، ولا خيارا جبانا، بل هو العقل كل العقل في زمن الهبل الجماعي. فثار على نفسه قبل الجميع، وراح يردد وهو يصارع الخضمّ البشري، وإصبع القرد تختفي من كفه في آن واحد:
ما يحلها إلا الله .. والنفس بالسوء أمّارة
واللي يخافك يا الله .. تعطيه قوة جبّارة

اترك تعليقاً