“الفصل الأول من روايتي القادمة”.
ترك وراءه صديقة شقراء، وابنَ فراشٍ أسمته أمه الشقراء David احتراما لجذورهما، فصار هو يناديه داود، وهي تناديه David، حتى انتهى من دراسة البكالوريوس، وفاتح أباه مصطفى أبو فوطة -أحد رجال حارة العكاكوة الكُمّل- بالموضوع.
حادثه عبر تطبيق زوم وأخبره بالحقيقة، أنه وقع في الحب، وصار لابنه صديقة شقراء من الممكن أن “نحسّن بها نسل العائلة”. أطلق أبوه ضحكة معوية تشبه صوت ضرطة من تحت الماء، وقال:
– كبرت يا ولدي، وشربت اللبن، ولحست الورد..
ولمّا أحس منه روح السخرية المتبسطة، اطمئن أنه قد بلغ العمر الذي يصادق فيه الابن أباه، فضحك ضحكة مستخفّة نزّاعةً للوقار، ليقول له أبوه وهو يجرّ نفسا من الشيشة “الجراك” التي ورثها من أبيه الذي ورثها من جدّه:
– أنت حيوان.. ونحن في بلد يحترم حقوق الحيوانات..
وأدخل خرطوم الشيشة ذي الخمسة أمتار، عبر فتحة بين سبابته وإبهامه ثم ظل يسحبه باليد الثانية حتى أحس مَدّان بوجع متخيّل. فعل ذلك بحركات بريئة وكأنه يخاف ضبطه متلبسا من قبل إدارة تطبيق زوم، فيصكّون حسابه بحظر، ففهم أنّ أباه إنما كان يجرّ لسانه.
حزن على فراق داود أيما حزن، ولكن حزنه على فراق بياض أمه كان أكبر. في المطار، تبيّن له أنها تفطّنت لهروبه عائدا إلى البلد، فبعثت له على هاتفه صورا لها وهي مع بعض أصدقائه، وصورا أخرى لها مع شبان من بني جلدتها وهي عارية. فخرم الهواء بوسطى كفه مغمغمًا، بما يغمغم به العكاكوة تجاه أمهات الأخصام.
وبدأ على الفور يفكر في خياراته بعد العودة، نظر في وجهه المنعكس على زجاج المطار، الذي تظهر خلفه الطائرات في المدرج، أنف مفلطح، وعينان صغيرتان منضغطتان، ووجه دائري منتفخ، وبشرة مبثورة بلون قمر الدين، ليس إلا رجاء، بنت الخالة. فقال لنفسه، دُنياكَ “لا تُنبت إلا العدس”، وبدأ يقارن بين وجه رجاء ووجه أم داود، وجسم رجاء وجسم أم داود، فطرأت بذهنه نظرية داروين التي تعرّض لها لأول مرة في محاضرات الأحياء عند الخواجات، النظرية بأمّ أمها لا يمكن أن تفسر هذه الفوضى.
وصل إلى أرض الوطن، فاستقبله أهله استقبال من حقق ميدالية أولمبية. حضنته أمه في المطار أمام الحشود، وسلمته إلى خالته، وسلمته الأخيرة إلى أخواته رهاب وسحاب وعتاب، فكان ينتقل من ملحمة إلى ملحمة، وأنفه يتلذذ بروائح الزفر الطيبة. أما أبوه فمكث في البيت ينتظره، وما إن رآه يدخل عليه الصالة حتى قال بأعلى صوت:
– أهلا بالزاني..
فقفزت الأكف البضّة الناعمة إلى الأفواه من وطأة الفضيحة، وتحول الفرح إلى محزنة.
حبس نفسه في الغرفة أسبوعين مستحييا من النظر في وجوه نساء البيت، حتى نفذت أمه إليه وفكّت الحصار لتسأله وهي تضرب فخذها لتهبّ على أنفه من بين نهديها رائحة زنخ الملوخية مخلوطا بالبخور المستكه:
– لو قلت لي لزوّجتك من بنت خالتك..
فامتعض في داخله. لماذا لم تقل “لزوّجتك” وكفى بها كلمة!! وأدرك أن المصير يلاحق الإنسان مهما حاول الهروب منه. واستحضر في ذهنه حلما قديما رأى فيه بنت خالته تقفز عليه بسقوط حر من فوق الدولاب. فقالت أمه:
– لو نيتك كانت الحلال لزوجك ربي برجاء وأنت في الغربة..
فقال:
– أليس في الدنيا غيرها!!
– تصدق بالله؟
ولم يعلق فلكمت بطنه. فقال مكتوم النفس:
– لا إله إلا الله..
– أنا رأيتها في المنام تسقط عليك.. هكذا…
ورمت نفسها عليه بكل حنان الأمومة.
بعد أيام رأى أباه في الصالة جالسًا على أريكته المرتفعة، الدموع تجري على خديه غزيرة، وهو يدخن الشيشة بلا توان كأنه ماطور شفط يعاني من تسريب. هرع إليه فاستبق إلى القول ماسحا دموعه بسرعة:
– لم أفكر في ولدك يا زنوة.. ولكن سيد الناس.. مات..
لم يفكر ولو لمرة واحدة في حياته في احتمال موت سيد الناس، مع أنه إنسان. وجد نفسه يكلم نفسه وهو نازلٌ درج البيت ليخرج إلى الحارة، وعند تجاوزه عتبة باب الحوش، لم يتمالك نفسه. فك عن رجليه وقارهما وانطلق يجري كأنه هارب من رصاصة. لماذا ينسى الناس الموت حتى يموتوا؟! كان سيد الناس أطيب الناس، لا يتخيل “عكاكوي” الحارة من دونه، أصبح وجوده مُسلّمة وجودية. موته مصيبة للحارة، لشوارعها وأشجارها وعمائرها ودكاكينها وحتى بلاليعها. عندما خرج من ناصية حارة الذهب، استقبله الدرب الرئيسي للحارة، فوجده ممتلئا بالأهالي ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، وثمة من بدأ يرسم بالجرافيتي سيد الناس على مؤخرة حمار.
